ابو البركات
22
الكتاب المعتبر في الحكمة
منها تتألف المحسوسات من الأجسام فكانت هذه الاجزاء لهم هي الهيولى الأولى فكان الاتصال الذي لهذه الاجزاء بذاتها عندهم لا يقبل الانفصال المفرق الذي يقبله المؤلف منها لان ذلك الاتصال الذي لها في ذواتها لها بذاتها وما للشئ بذاته لا يرتفع إلا بارتفاع ذاته . واما الاتصال الجامع بينها فليس هو لها بالذات بل هو طار عليها بأسباب أخرى ويزول بزوال أسبابه الطارئة وبتفريق يعرض لها عن أسباب أخرى فبذلك تصغر الأجسام وتعظم وفي هذا تتساوى وتتكافى فكان هذا معنى قولهم اجزاء لا تتجزى وهذه حجة لهم أوردناها لتتميم النظر وتوفيته حقه وان لم تكن وجدت فيما نقل عنهم . واما القسم الآخر وهو كون الكل جسما واحدا باتصاله فهو مما يبطل بما به ثبت هذا لأنه لو كانت الهيولى الأولى جسما واحدا بالاتصال بالذات لما صح فيها انفصال وتجزؤ لما قيل واستحال لذلك وجود الحركات المكانية التي تكون بجسمين لا محالة جسم يقارن وجسم يفارق وجسم يفارق الوضعية أيضا فإنها لجسم في جسم وكل ذلك موجود محسوس اعني الحركات والمتحركات فيما منه وما فيه وما اليه على ما تبين لا يرده راد ولا يشك فيه شاك . وإذا قلنا إن جسم الكل واحد بالاتصال لزم بطلان هذا التكثير بالانفصال وهذا التكثير والانفصال بالانفصال حق لا محالة فذلك التوحد والاتصال باطل فليس جسم الكل واحدا بالذات بالاتصال واما الكثرة بالانفصال والقول بالاجزاء التي لا تتجزى فقد رد بأنواع من الردود واحتج عليه بكثير من الحجج . فمن ذلك قولهم ان الاجزاء التي لا تتجزى لا يصح لشيء منها مكان تتساوى فيها الأمكنة والمتمكنات فلا يكون هذا بمكانه أحق من هذا به ولا هذا بمجاورة هذا أولى من هذا بمجاورة هذا فلا يصح لها بذواتها مواضع وأمكنة إذا المواضع والأمكنة من جنس المتمكنات والمتمكنات أيضا متشابهة فليس أحدها بمكانه أحق من الآخر به .